مقال قانوني

الأدلة الرقمية وأهميتها في نظام الإثبات السعودي

مع التحول المتسارع نحو التعاملات الرقمية، أصبحت الرسائل والمراسلات الإلكترونية والسجلات والمستندات الرقمية جزءًا أساسيًا من كثير من المعاملات اليومية والتجارية. ولم يعد الإثبات مرتبطًا بالمحررات الورقية وحدها، بل امتد ليشمل ما ينشأ أو يُتداول أو يُحفظ بوسائل رقمية.

وقد نظم نظام الإثبات السعودي الدليل الرقمي بوصفه أحد أدلة الإثبات، وعرّفه بأنه كل دليل مستمد من بيانات تنشأ أو تصدر أو تُسلَّم أو تُحفظ أو تُبلَّغ بوسيلة رقمية، وتكون قابلة للاسترجاع أو الحصول عليها بصورة يمكن فهمها. كما عدّد النظام من صور الدليل الرقمي: السجل الرقمي، والمحرر الرقمي، والتوقيع الرقمي، والمراسلات الرقمية بما فيها البريد الرقمي، ووسائل الاتصال، والوسائط الرقمية، وغيرها من الأدلة الرقمية.

ما حجية الدليل الرقمي؟

الإثبات بالدليل الرقمي له حكم الإثبات بالكتابة، مع اختلاف الحجية بحسب طبيعة الدليل ومصدره.

فالدليل الرقمي الرسمي تكون له الحجية المقررة للمحرر الرسمي متى استوفى الشروط النظامية، بينما يكون الدليل الرقمي غير الرسمي حجة على أطراف التعامل، ما لم يثبت خلاف ذلك، في حالات حددها النظام، من بينها ما يكون صادرًا وفقًا لنظام التعاملات الإلكترونية أو نظام التجارة الإلكترونية، أو مستفادًا من وسيلة رقمية منصوص عليها في العقد محل النزاع، أو من وسيلة رقمية موثقة أو مشاعة للعموم.

وفي غير هذه الحالات، تكون للدليل الرقمي الحجية المقررة للمحرر العادي وفقًا لأحكام نظام الإثبات. وبالتالي، فإن مجرد وجود محتوى رقمي لا يعني بالضرورة أن له الحجية ذاتها في جميع الحالات؛ وإنما تتحدد حجيته وفق طبيعته ومصدره وظروف تقديمه والأحكام النظامية المنطبقة عليه.

هل تكفي صورة من المحادثة؟

ليس بالضرورة.

فالنظام نظم طريقة تقديم الدليل الرقمي، ونص على أن يقدم بهيئته الأصلية أو بأي وسيلة رقمية أخرى، وللمحكمة أن تطلب تقديم محتواه مكتوبًا متى كانت طبيعته تسمح بذلك. كما تقضي الأدلة الإجرائية بضرورة تقديم الدليل الرقمي بما يمكّن من التحقق منه، وفي حال المنازعة في صحته يقدم بهيئته الأصلية متى أتيح للمحكمة الاطلاع عليه مباشرة، أو بوسيلة رقمية أخرى وفق الأحكام المنظمة لذلك، مع احتفاظ مقدم الدليل بأصله.

كما أن للمستخرجات من الدليل الرقمي الحجية المقررة للدليل نفسه بالقدر الذي تكون فيه المستخرجات مطابقة لسجلها الرقمي، وهو ما يبرز أهمية المحافظة على السجل أو المصدر الرقمي الذي استُخرجت منه البيانات.

ما الذي ينبغي المحافظة عليه عند وجود دليل رقمي؟

عند نشوء نزاع أو توقعه، تبرز أهمية المحافظة على الدليل الرقمي كما هو، وتجنب العبث بمحتواه أو تعديله، والاحتفاظ بالبيانات والملفات والسجلات ذات الصلة، بما يساعد على تقديم الدليل والتحقق منه وفق الإجراءات النظامية.

وتؤكد الأدلة الإجرائية لنظام الإثبات أهمية بيان نوع الدليل الرقمي ومضمونه، والاحتفاظ بهيئته الأصلية عند تقديم نسخة أو مستخرج منه، كما يجوز للمحكمة الاستعانة بخبير للتحقق من الدليل الرقمي متى اقتضت طبيعة النزاع ذلك.

لماذا أصبحت الأدلة الرقمية مهمة؟

لأن جانبًا كبيرًا من تعاملات الأفراد والمنشآت أصبح يتم عبر الوسائل الرقمية؛ فقد تكون المراسلات الإلكترونية، أو البريد الإلكتروني، أو المستندات الرقمية، أو السجلات الناتجة عن الأنظمة الإلكترونية، ذات صلة مباشرة بإثبات واقعة أو تصرف محل نزاع.

ومن هنا تبرز أهمية معرفة كيفية حفظ الدليل الرقمي وتقديمه، وعدم الاكتفاء بمجرد الاحتفاظ بصورة منه دون مراعاة مصدره وسلامته وإمكانية التحقق منه ونسبته إلى الجهة أو الشخص ذي العلاقة، بحسب الأحوال.

الخلاصة

في البيئة الرقمية، لم يعد السؤال مقتصرًا على: «هل توجد رسالة أو ملف إلكتروني؟» بل يمتد إلى أسئلة أكثر أهمية من الناحية النظامية:

  • ما طبيعة هذا الدليل؟
  • ما مصدره؟
  • هل يمكن التحقق من صحته وسلامته؟
  • وهل تتوافر فيه الشروط النظامية للحجية والاحتجاج به؟

وهنا تتجلى أهمية نظام الإثبات السعودي في تنظيم الدليل الرقمي وتحديد أحكام حجيته وطرق تقديمه والتحقق منه، بما يواكب طبيعة التعاملات الرقمية الحديثة ضمن الإطار النظامي المعتمد.

لديك دليل رقمي يخص نزاعًا قائمًا أو محتملًا؟ استشرنا قبل أن تتصرف بمحتواه.

تواصل معنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *